أبي النصر أحمد الحدادي

157

المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى

إن جعلته استثناء متصلا فله وجه صحيح من التأويل . معناه : إلا الذين ظلموا فإنّ لهم عليكم حجة لا صحة لها ، وهي - وإن لم تصح - لا يزول عنها اسم الحجة ، كقوله تعالى : حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ « 1 » وإن كانت داحضة باطلة سمّاها حجة . وكقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ « 2 » . وحقيقة الحجة في اللغة : إظهار برهان تدحض به حجة الخصم . وقيل : إن الاستثناء هاهنا منقطع ، فمعناه : لكن الذين ظلموا فإنهم يحتجون عليكم ولا حجة لهم . وقيل : إن الاستثناء هاهنا بمعنى الواو ، كأنه قال : لئلا يكون للناس « لليهود » عليكم حجة ، والذين ظلموا : أشركوا لا حجة لهم أيضا . ونظائرها من القرآن من المتصل والمنقطع بمعنى الواو ما نذكرها إن شاء اللّه ، منها قوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ « 3 » ، فههنا يحتمل المنقطع والمتصل ، أما المنقطع ، فمعناه لكن من ظلم فمرخّص له أن يجهر . ومعنى المتصل : لا يحب اللّه الجاهر بالقول السوء إلا من ظلم ، فإنه إن يجهر القول بالدعاء على ظالمه ويظهر شكاية منه كان له ذلك . وقوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً « 4 » . المعنى : لكن يسمعون ؛ لأن الاستثناء إذا لم يكن من جنس المستثنى منه يكون منقطعا ، فيكون منصوبا على القطع .

--> ( 1 ) سورة الشورى : آية 16 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 258 . ( 3 ) سورة النساء : آية 148 . ( 4 ) سورة الواقعة : آية 26 .